صعود تاريخي للأسواق في ظل استمرار الأزمة السياسية
مؤشر S&P 500 يتخطى ٧,١٠٠ دولار، والذهب يخترق ٤,٨٠٠ دولار
أهلًا بكم في نشرة أموال الأسبوعية!
ارتفع مؤشر S&P 500 هذا الأسبوع بنحو ٨٠٠ نقطة من ٦,٣٠٠ دولار إلى مستوى قياسي جديد قرب ٧,١٠٠ دولار. نشرح في عدد هذا الأسبوع الضغوط الميكانيكية التي دفعت الأسعار للصعود، وتوقعاتنا بشأن مسار الأسواق خلال الأسابيع القادمة.
لغز الملاحة عبر مضيق هرمز
يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية الإيراني أن مضيق هرمز مفتوح أمام الملاحة التجارية، فانخفض خام برنت من نحو ١٠١ إلى ٩١ دولارًا. لكن بعد أقل من ٢٤ ساعة، يوم السبت، تم التراجع عن الإعلان، وأُغلق المضيق مجددًا، وبقيت حركة الناقلات في خانة الآحاد مقابل معدل طبيعي يتراوح بين ٥٠ و٨٠ ناقلة يوميًا.
على صعيد المفاوضات، أظهرت الجولة الأخيرة التي استمرت ٢١ ساعة متواصلة جهدًا حقيقيًا من الطرفين، وعبَّر الرئيس ترامب عن تفاؤله بجولة جديدة. لكن العقبات الهيكلية التي حدّدناها في العدد الماضي مازالت قائمة بالكامل: العداء الإسرائيلي-الإيراني يعمل وفق منطق مستقل عن التفضيلات الأمريكية، إيران مازالت تتفاوض من موقع قوة يحول دون تقديمها تنازلات جوهرية، ومازالت كذلك اعتبارات السياسة الداخلية الأمريكي تُقيِّد حرية الحركة في المفاوضات. تقديرنا بأن احتمال التوصل لاتفاق دائم لا يتجاوز ٢٠٪ مازال قائمًا.
تُشير أسعار أسواق الرهانات إلى احتمال ٥٠٪ لعودة حركة الملاحة الطبيعية بنهاية أبريل، ترتفع إلى ٨٠٪ بحلول نهاية مايو ونحو ٩٠٪ بحلول نهاية يونيو. لكن هذه الاحتمالات تفترض أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار لجميع الأطراف، وهو افتراض قد يصح على المدى المتوسط لكنه لا يحمي من التقلبات العنيفة خلال الأسابيع القادمة.
💡 توقعات خبراء أموال: ننصح المستثمرين بتجاهل الأخبار المتواترة حول فتح وإغلاق مضيق هرمز. بيانات حركة الناقلات، وحركة الشحن عبر المضيق بشكل عام، هي المؤشر الأكثر موثوقية ويجب مراقبتها يوميًا. العودة لمعدل ٣٠ ناقلة يوميًا أو أكثر ستكون الإشارة الأولى لتحول حقيقي في حركة الملاحة.
صعود الأسهم بفعل الضغوط الميكانيكية
ارتفع مؤشر S&P 500 هذا الأسبوع بنسبة ٤٫٥٪، وارتفع نظيره التكنولوجي Nasdaq 100 بنسبة ٦٫٢٪. دخل المستثمرون الأسبوع بمراكز بيع مكثفة بعد أسابيع من إضافة التحوطات مع تدهور أزمة المضيق، ثم جاء إعلان وقف إطلاق النار في لحظة الهشاشة الفنية القصوى، فانطلقت موجة تغطية مراكز البيع (Short Covering) التي تحوّلت إلى ضغط ميكانيكي دفع الأسهم للصعود بشكل متسارع (Gamma Squeeze) حين اضطر بائعو عقود خيارات الشراء (Call Options) إلى شراء الأسهم لتغطية مراكز التحوط. أُجبرت خوارزميات تتبع الاتجاه (Trend-following Algorithmic Funds) على ضخ ما يقدَّر بنحو ٨٠ مليار دولار يوميًا، والأهم أنه لم يكن هناك بائعون على الجانب الآخر لأن مستثمري صناديق المؤشرات في BlackRock وVanguard لم يجدوا بديلًا مقنعًا في السندات.
لماذا نعتقد أن موجة الصعود المفاجئة اقتربت من نهايتها؟
أولًا: مراكز البيع التي تراكمت على مدار الأسابيع التي تلت بدء الحرب تمت تغطية أغلبها خلال الأسبوع، ما يعني أن ضغط تغطية البيع الميكانيكي (Short Covering) الذي ساهم في دفع الأسعار للصعود قد استُنفذ.
ثانيًا: بائعو عقود خيارات الشراء (Call Options) الذين اضطروا لشراء الأسهم لتعديل تحوطاتهم قد أنهوا عملية التعديل، ولن يحتاجوا لتكرارها عند نفس المستويات.
ثالثًا: خوارزميات تتبع الاتجاه (Trend-following Algorithmic Funds) التي ضخّت نحو ٨٠ مليار دولار يوميًا أعادت تمركزها ولا تملك المزيد لتُضيفه حول المستويات الحالية.
رابعًا: لا تستطيع الإدارة الأمريكية الاستمرار في التلاعب بالأسواق بنفس الأسلوب الذي تعودنا عليه في بداية الحرب.
تؤكد التقييمات هذا الاستنتاج. يُسعّر المؤشر حاليًا نموًا في الأرباح بنسبة ١٧٪ عند مكرر ربحية (P/E Ratio) يقترب من ٢٣، وهو مزيج غير واقعي في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط التضخمية وحرب مضطربة لم تُحسم بعد. حتى بالنظر إلى أرباح الشركات في الربع الأول من ٢٠٢٦، فإن جميع الشركات التي أعلنت نتائجها حتى الآن أدّت أداءً أسوأ من أداء المؤشرات بعد الإعلان، ما يعني أن الأرقام الحقيقية التي تعلن عنها الشركات لا يمكنها دفع الأسعار للمزيد من الصعود.
💡 توقعات خبراء أموال: نتوقع تراجعًا بنحو ٢٠٠-٤٠٠ نقطة في مؤشر S&P 500 خلال الأسبوعين إلى أربعة أسابيع المقبلة نحو مستوى ٦,٧٠٠ نقطة، حيث استُنفذ الوقود الميكانيكي الذي دفع الأسعار للصعود، والوضع الاقتصادي الحالي لا يدعم استقرار الأسعار عند المستويات الحالية. سيكون التراجع المتوقع فرصة شراء للمستثمرين طويلي الأجل.
الذهب يستمر في الصعود
اخترق الذهب هذا الأسبوع حاجز ٤,٨٠٠ دولار. يُؤكد هذا الاختراق أن مستويات ٤,١٠٠ دولار التي لامسها الذهب في ٢٣ مارس كانت بالفعل نقطة الانعطاف الحقيقية كما أشرنا، وأن مسار الصعود الذي توقعناه منذ العام الماضي مازال ساريًا. يقع سعر التوازن لعقود الخيارات المنتهية في ٢٧ أبريل عند ٤,٧١٥ دولارًا، ما قد يُحدث ضغطًا مؤقتًا نحو هذا المستوى خلال أيام التداول المتبقية قبل أن يتحرر السعر في اتجاهه المحتمل نحو الأعلى.
لفهم العوامل المحركة لسعر الذهب في الوقت الحالي، يجب النظر إلى ما یحدث في سوق السندات. انخفضت علاوة الأجل (Term Premium) على سندات الخزانة لأجل ١٠ سنوات من ذروتها عند ١٤٨ نقطة أساس في ٢٧ مارس إلى ١٠٢ نقطة أساس فقط هذا الأسبوع، أي أنها لم تعد فقط إلى مستواها قبل الحرب (١١٠ نقاط أساس) بل هبطت دونه. ما يعني أن سوق السندات يُسعِّر حاليًا قدرًا من عدم اليقين بشأن مسار الفائدة طويلة الأجل أقل مما كان يُسعِّره قبل اندلاع الحرب على إيران.
الأهم في القراءة التفصيلية لسوق السندات هو الانقسام بين توقعات التضخم قصيرة وطويلة الأجل. انخفضت توقعات التضخم قصيرة الأجل من ٣٫٣٠٪ إلى ٢٫٨٤٪ في أسبوع واحد، أي أن السوق يُعيد تسعير صدمة الطاقة من كونها صدمة هيكلية إلى اضطرابٍ مؤقت. لكن توقعات التضخم طويلة الأجل (١٠ سنوات) لم تتحرك تقريبًا، حيث تراجعت نقطة أساس واحدة فقط من ٢٫٣٧٪ إلى ٢٫٣٦٪. يمكن ترجمة هذه الأرقام إلى أن السوق يعتقد أن أزمة الطاقة مؤقتة لكنه لم يُعدِّل نظرته بأن التضخم سيبقى مرتفعًا بشكل هيكلي مقارنة بمستويات ما قبل أزمة كورونا.
يُفسّر هذا الانقسام صعود الذهب هذا الأسبوع رغم صعود الأسهم. انخفاض العوائد الحقيقية قصيرة الأجل (الفائدة مخصومًا منها التضخم) يرفع جاذبية الذهب ميكانيكيًا، بينما ثبات توقعات التضخم طويلة الأجل يعني أن الطلب الهيكلي على التحوط من التضخم مازال قائمًا. هذا المزيج، انخفاض العائد الحقيقي مع استقرار توقعات التضخم، هو بالضبط البيئة التي يزدهر فيها الذهب تاريخيًا.
ما يجعل الذهب الأصل الأقوى في تقديرنا هو أنه يستفيد من كلا المسارين المحتملين. إذا نجحت المفاوضات واستقر الوضع الجيوسياسي، فإن انخفاض أسعار الطاقة سيدفع العوائد الحقيقية للانخفاض أكثر مع توقُّع تيسير نقدي من الفيدرالي، وهو ما يرفع سعر الذهب. وإذا فشلت المفاوضات وعاد التصعيد، فإن الطلب على الملاذات الآمنة يرتفع مباشرة. في كلتا الحالتين، المسار المحتمل لسعر الذهب هو مسار الصعود.
💡 توقعات خبراء أموال: بعد نجاح الذهب في تخطي نطاق ٤,٦٠٠-٤,٨٠٠ دولار الذي أشرنا إليه، تصبح المحطة التالية هي الوصول لمستويات ٥,٠٠٠-٥,١٠٠ دولار. لكن حركة السعر على المدى القصير ستتأثر بتطورات حركة الملاحة في مضيق هرمز، والضغط الميكانيكي الذي يفرضه سعر التوازن في سوق الخيارات (٤,٧١٥ دولار). يقع الهدف المتوسط للدورة الحالية حول ٦,٥٠٠ دولار خلال النصف الثاني من ٢٠٢٦.
بتكوين
ارتفع بتكوين بنسبة ٦٪ هذا الأسبوع ليصل إلى ٧٥,١٠٠ دولارًا. بالتزامن مع صعود السعر، ارتفع معامل ارتباط بتكوين مع مؤشر S&P 500 إلى ٠٫٩٢، وهو أعلى مستوى في الدورة الحالية. عند هذا المستوى من الارتباط، لم يعد بتكوين يعمل كفئة أصول مستقلة بل كنسخة مُعدَّلة (Leveraged Proxy) من سوق الأسهم.
على الصعيد المؤسسي، ارتفعت تدفقات صناديق بتكوين المتداولة (ETFs) إلى ٩٢٥ مليون دولار هذا الأسبوع مقارنة بـ٧٧١ مليون الأسبوع الماضي و٢٢ مليونًا فقط قبل أسبوعين. لكن تزامن هذا التسارع مع الارتفاع في معامل الارتباط يُشير إلى أن رأس المال المؤسسي يُعامل بتكوين كرهان على زخم الأسهم لا كتخصيص مستقل. يقع متوسط تكلفة شراء مستثمري الصناديق عند ٨٢,٢٤٧ دولارًا، ما يعني خسارة غير محققة بنسبة ٨٫٦٪.
💡 توقعات خبراء أموال: نحافظ على موقفنا الحذر تجاه بتكوين. مستوى المقاومة الأهم يقع عند ٧٨,٠٠٠-٨٠,٤٠٠ دولار (المتوسط الحقيقي وتكلفة المستثمرين قصيري الأجل)، ومستوى الدعم الرئيسي عند ٦١,٠٠٠-٦٢,٠٠٠ دولار. في ظل معامل ارتباط بلغ ٠٫٩٢، سيحدد اتجاه سوق الأسهم مسار بتكوين. إذا تراجع S&P 500 بنحو ٤٠٠ نقطة كما نتوقع، فمن المرجح أن يختبر بتكوين نطاق ٧١,٠٠٠-٧٣,٠٠٠ دولار.
الخلاصة
نرى أن صعود الأسهم غلب عليه الدافع الميكانيكي كما أفردنا. استمرار الأزمة حول مضيق هرمز يعني أن الأسواق مُعرَّضة لانعكاس قد يكون بنفس زخم الصعود. نحتفظ بسيولة كافية لاقتناص فرصة التراجع المتوقعة في الأسهم خلال الأسبوعين إلى أربعة أسابيع المقبلة، ونبقى خارج بتكوين.
ما يجب مراقبته الأسبوع المقبل:
الأربعاء ٢٢ أبريل: جلسة تأكيد تعيين كيڤن وارش رئيسًا للفيدرالي. السيناتور توم تيليس يُهدد بعرقلة التصويت ما لم يتوقف التحقيق مع رئيس الفيدرالي الحالي چيروم باول، ما يحوّل الجلسة إلى معركة حول استقلالية البنك المركزي. يمكنكم الاطلاع على عدد النشرة الخاص في بداية فبراير الماضي حول رؤيتها للتأثير المحتمل لتعيين كيڤن وارش على الأسواق:
الخميس ٢٣ أبريل: خطاب كريستين لاغارد وفيليب لاين من البنك المركزي الأوروبي.
الجمعة ٢٤ أبريل: مؤشرات مديري المشتريات الأولية لأبريل في منطقة اليورو وألمانيا وبريطانيا. أول بيانات نشاط حقيقية تعكس الاضطراب الحالي في حركة الملاحة في الخليج العربي.
ترقّبوا عددنا الأسبوعي يوم الأحد القادم، لمواكبة أبرز المستجدات وتحليل انعكاساتها على مختلف الأصول الاستثمارية.




ما شاء الله مجهود رائع