وارش يحسم اختباره الأول: مفاجأة متشدِّدة تُربك الأسواق
الفيدرالي يُثبِّت الفائدة لكنه يتحول نحو التشديد، والنفط يهبط مع تراجع حدة الحرب
أهلًا بكم في نشرة أموال الأسبوعية!
كان اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء ١٧ يونيو هو الحدث الأهم خلال الأسبوع. في أول اجتماعٍ يترأسه كيڤن وارش رئيسًا للبنك المركزي الأمريكي، ثبَّت الفيدرالي الفائدة، لكن صاحب تثبيت الفائدة نبرة متشددة تجاه مسار السياسة النقدية. طرحنا الأسبوع الماضي ثلاثة سيناريوهات لهذا الاجتماع، وحذَّرنا من سيناريو هابط يكشف فيه وارش عن وجهٍ متشدِّد، فترتفع عوائد السندات وتبدأ موجة تصحيح عبر الأصول، وهو تحديدًا ما حدث. نُخصِّص عدد هذا الأسبوع لتفكيك قرار وارش وتبعاته، ثم ننتقل إلى هبوط النفط بعد التهدئة الأمريكية-الإيرانية، ونختم بقراءةٍ للذهب وبتكوين.
اجتماع الاحتياطي الفيدرالي
في أول اجتماع للاحتياطي الفيدرالي بقيادة كيڤن وارش، قرر صناع السياسة النقدية الأمريكية تثبيت الفائدة كما كان متوقعًا. لكن ما كان أكثر أهمية من قرار الفائدة نفسه هو المؤتمر الصحفي الذي تلى الاجتماع، والنبرة التي اعتمد عليها وارش في الإجابة على أسئلة الصحفيين. اختصر وارش بيان اللجنة إلى فقرتين قصيرتين، واحدةٍ عن النمو وأخرى عن التضخم، ليختمه بجملةٍ مفتاحية قائلًا: “ستُحقِّق اللجنة استقرار الأسعار”. يرى بعض المحللين أن هذه الجملة تحديدًا كانت صادمة للأسواق على طريقة پول فولكر، الذي قاد الفيدرالي في الثمانينيات، والذي ارتفعت الفائدة في عهده بمقدار ٨٨٠ نقطة أساس كاملة (٨٫٨٪). في المقابل، يرى محللون آخَرون أن نص البيان نفسه لم يكن متشددًا، لكن رد الفعل السلبي للأسواق جاء بسبب إلغاء وارش ما يُسمى بـ”التوجيه المستقبلي” أو “Forward guidance”، أي إفصاح البنك المركزي مُسبقًا عن المسار المُرجَّح لأسعار الفائدة لتوجيه توقعات الأسواق وتقليص المفاجآت، وهو ما طالما انتقده وارش ووصفه بأنه “قيدٌ” يُكبِّل البنك المركزي. بالنسبة للأسواق، إلغاء التوجيه المستقبلي يعني ارتفاع عدم اليقين تجاه مسار السياسة النقدية، ما يعني ارتفاع المخاطرة في الأسواق بشكل عام. أعلن وارش كذلك تشكيل خمس مجموعات عملٍ لإعادة هيكلة الفيدرالي، تشمل التواصل، والميزانية العمومية، والبيانات، والإنتاجية والوظائف، وإطار التضخم.
أما بالنسبة لمسار الفائدة، تعمَّد وارش عدم تقديم أية توقعات شخصية بخصوص تطوره خلال الأشهر القادمة، لكن توقعات باقي أعضاء المجلس ارتفعت بشكل ملحوظ. قفز متوسط الفائدة بنهاية ٢٠٢٦ إلى نحو ٤٫٣٪ (مقارنة بنحو ٣٪ في مارس). تميل أغلبية الأصوات داخل المجلس حاليًا نحو الاستمرار في تثبيت الفائدة خلال ٢٠٢٦، لكن مع ذلك قفزت احتمالات رفع الفائدة مرة واحدة على الأقل قبل نهاية العام من ٣٢٪ قبل الاجتماع إلى ٨٧٪ بعد انتهائه.
استجابت الأسواق بشكل سلبي لنبرة التشدد، حيث هبطت الأسهم، وارتفع الدولار، وقفز عائد سندات العامين نحو ١٣ نقطة أساس، وتراجع الذهب. المثير للتأمل أن وارش كان يملك كل المبررات التي تتيح له الخروج بمظهر غير متشدد. فقد منحه هبوط النفط، عقب التهدئة مع إيران، غطاءً مثاليًا لـ”يتغاضى” عن ارتفاع للتضخم، إذ تراجع مقياس توقعات التضخم لخمس سنوات (5Y Breakeven) إلى ٢٫٢٧٪ من نحو ٢٫٧٪، أي أن جزءًا كبيرًا من معركة التضخم بات يُحسَم تلقائيًّا بفعل تراجع الطاقة. لكن وارش اختار أن يركز على المكون الأساسي للتضخم (الذي لا يتضمن أسعار الطاقة).
أما بخصوص أزمة التضخم، فمن جهةٍ تراجع المؤشر العام بفعل تراجع أسعار الطاقة، ومن جهةٍ أخرى رفع الفيدرالي نفسه توقعاته لمؤشر التضخم الأساسي (Core PCE) لعام ٢٠٢٦ إلى ٣٫٣٪، في إشارةٍ إلى أن اللجنة لا تثق في تحسن الأزمة خلال ٢٠٢٦. ويُعزِّز هذا القلق ارتفاعٌ لافتٌ في تكاليف سلاسل الإمداد واللوجستيات بفعل الحرب على إيران، وهو ضغطٌ سيستمر لعدة أشهر، حتى مع تراجع أسعار النفط.
نرى في أموال أن وارش اختار أن يخوض معركة المصداقية مبكرًا، لكن خارطة طريق مجموعات العمل الخمس تشير في جوهرها إلى مسارٍ أكثر تساهلًا على المدى المتوسط، والأرجح أن نبرة التشدُّد الحالية لن تدوم أكثر من ستة إلى تسعة أشهر، بمعنى أن الفيدرالي قد يُشدِّد سياسته النقدية اليوم ليمنح نفسه هامشًا للتيسير لاحقًا.
💡 توقعات خبراء أموال: نقرأ قرار وارش بوصفه “تثبيتًا متشدِّدًا” يرفع مخاطر التصحيح على المدى القصير، لكنه لا يمثل تحوُّل هيكلي نحو دورة مسار تشددي مستدام. المُحرِّك الحاسم الآن هو البيانات لا تصريحات الفيدرالي، وأقربها مؤشر التضخم يوم الخميس القادم. مازلنا نحافظ على سيولةٍ كافية للاستفادة من فرص التصحيح المحتملة حتى نهاية يوليو.
تراجع النفط بفعل توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية
اقتربت الحرب الأمريكية على إيران من الانتهاء عبر اتفاقٍ من ١٤ بندًا وُقِّع يوم ١٧ يونيو في قصر ڤرساي خلال قمةٍ استضافها الرئيس الفرنسي ماكرون، بوساطةٍ باكستانية. تتضمَّن ركائزه هدنةً لمدة ٦٠ يومًا، وإعادة فتح مضيق هرمز دون رسوم، ورفع الحصار البحري الأمريكي، وإطارًا يمهد لتشكيل صندوق إعمارٍ بقيمة ٣٠٠ مليار دولار. نرى في أموال أن الاتفاق في جوهره اعتراف أمريكي بالهزيمة بسبب وصول الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي للنفط إلى ما يقارب الحد الأدنى التشغيلي، الذي يَصعب مع الوصول إليه استمرار الولايات المتحدة في ضخ المزيد من براميل النفط إلى الأسواق، ما يعني أن استمرار إغلاق المضيق حتى منتصف يوليو يرفع من مخاطر انزلاق الاقتصادي العالمي إلى أزمة طويلة الأمد، وهو ما أجبر واشنطن في النهاية إلى إبرام الاتفاق قبل أن يخرج سعر الخام عن السيطرة.
كان أثر الاتفاق في الأسعار فوريًّا، حيث هبط خام برنت من نحو ١٠٠ دولارًا قبل الاتفاق إلى حدود ٨٠ دولارًا. لم يتراجع النفط إلى مستويات ما قبل الحرب (حوالي ٦٥-٧٠ دولارًا للبرميل) لأن وقف الحرب وإعادة فتح المضيق لا تغيُّر حقيقة أن الاقتصاد العالمي خسر عشرات الملايين من المعروض الفعلي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وكذلك لأن الأضرار التي لحقت بمواقع الإنتاج في الخليج تستغرق شهورًا لإصلاحها.
أضف على ذلك أن التفاهم الحالي بين الولايات المتحدة وإيران هشٌ للغاية، لأن إيران لا تثق في الإدارة الأمريكية الحالية من جانب، ولأن الإدارة الإسرائيلية تسعى جاهدة لإفشال كافة محاولات التهدئة. فخلال ٧٢ ساعةً من التوقيع، عاودت إسرائيل قصف لبنان، وأعادت إيران إغلاق مضيق هرمز في اليوم نفسه.
💡 توقعات خبراء أموال: نرى مخاطر النفط ثنائية الاتجاه. على المدى القريب يظلُّ المسار انكماشيًّا داعمًا لخفض التضخم، لكن هشاشة الهدنة والتحديات التقنية أمام عودة الإنتاج إلى مستويات ما قبل الحرب يضعان أرضيةً صلبةً لسعر النفط، أعلى نسبيًا من مستويات ما قبل الحرب.
الذهب: تصحيحٌ تكتيكيٌّ فوق أساسٍ هيكليٍّ صلب
دخل الذهب اجتماع وارش بدعمٍ هيكليٍّ راسخ ومسارٍ قصير المدى تحكمه عقود الخيارات، وخرج منه متراجعًا. صعد المعدن مع بداية الأسبوع نحو منطقة ٤,٤٠٠ دولارٍ مدفوعًا بالتهدئة مع إيران وتراجع العوائد، قبل أن ينعكس مساره يوم الأربعاء حين مال وارش نحو التشديد كما أفردنا. ولأن ارتفاع العوائد قصيرة الأجل يرفع كلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصلٍ لا يُدِرّ عائدًا، عاد الذهب إلى نطاق تداولٍ دون ٤,٢٠٠ دولار.
على المدى القصير، سيتحكَّم سوق الخيارات في حركة السعر حتى انتهاء صلاحية عقود يوليو يوم ٢٥ يونيو. تقع نقطة التوازن لهذه العقود عند ٤,٤٢٠ دولارًا، ومع تداول السعر دونه نتوقع أن يمثل سوق الخيارات ضغطًا إيجابيًا يساعد السعر في الصعود تدريجيًا. ويُعزِّز ذلك أن نسبة عقود البيع إلى الشراء بلغت ذروتها في ١٢ يونيو وبدأت تتراجع منذ ذلك الحين، وهي إشارةٌ تاريخيةٌ تتزامن عادةً مع قيعان الدورات القصيرة والمتوسطة الأجل.
على المدى الطويل، مازال الطلب الرسمي من البنوك المركزية مستقرًا، إذ تجاوزت مشترياتها ١,٠٠٠ طنٍّ في كلٍّ من الأعوام ٢٠٢٢ و٢٠٢٣ و٢٠٢٤، حتى بلغ الذهب نحو ٢٠٪ من الاحتياطيات العالمية وتجاوز اليورو ليصبح ثاني أكبر أصلٍ احتياطيٍّ في العالم بعد الدولار.
💡 توقعات خبراء أموال: تخارجت محافظ أموال من مراكز الذهب في الأسبوع الأخير من مايو لتجنُّب التصحيح، ونرى في النطاق الحالي فرصة دخولٍ استراتيجيةً للمستثمرين طويلي الأجل، مع تفضيلنا انتظار انتهاء ضغط الخيارات وتراجع عوائد العامين قبل العودة الكاملة. لن يكسر الذهب نطاقه الحالي إلا بعد تراجع عوائد السندات طويلة الأجل، وهو ما قد يتأخر نسبيًا بفعل النبرة المتشددة من الفيدرالي. تبقى أهدافنا متوسطة المدى للدورة الحالية عند ٦,٥٠٠–٧,٠٠٠ دولار خلال النصف الثاني من ٢٠٢٦ والنصف الأول ٢٠٢٧، بما يتماشى مع توقعنا بأن نبرة التشدُّد الحالية للفيدرالي لن تدوم أكثر من ستة إلى تسعة أشهر.
بتكوين
يتداول بتكوين عند نحو ٦٤,١٨٠ دولارًا، منخفضًا بنحو ٤٩٪ عن قمّته التاريخية البالغة نحو ١٢٦ ألف دولارٍ المُسجَّلة في أكتوبر ٢٠٢٥، ويجلس تقريبًا فوق المتوسط المتحرك لـ٢٠٠ أسبوع عند ٦٢,١٨٣ دولارًا، وهو المستوى الذي شكَّل تاريخيًّا العمود الفقري لكل دورات بتكوين، وإن كان قد اختُرق لفترةٍ وجيزةٍ في ٢٠٢٢.
تشير بيانات التداول إلى استمرار أزمة بتكوين. فمتوسط تكلفة المستثمرين قصيري الأجل (STH Cost Basis) يقع عند ٧١,١٥١ دولارًا، والمتوسط الحقيقي للسوق (True Market Mean) عند ٧٧,٠٥٤ دولارًا، ومتوسط تكلفة مستثمري صناديق ETFs عند ٨٣,٤٣٨ دولارًا، مستويات تمثل عادة دعمًا ومقاومةً لحركة السعر، وبقاء سعر بتكوين دونها جميعًا يعني أن أي حركة إيجابية للسعر خلال الأسابيع القادمة ستواجه مقاومة ملحوظة. على صعيد التدفُّقات المؤسسية، سجَّلت صناديق ETFs في الأسبوع الأخير أول تدفُّقاتٍ سلبيةٍ صافية منذ فبراير بنحو ٢٥٣ مليون دولار.
💡 توقعات خبراء أموال: تخارجت محافظ أموال من مراكز بتكوين في الأسبوع الأخير من مايو قرب ٧٧,٠٠٠ دولار لتجنُّب التصحيح، ومازلنا على حذرنا. يحتاج بتكوين إلى تراجعٍ في الدولار وعوائد السندات ليصعد بشكلٍ مستدام. يقع الدعم الأقرب بين ٦٠,٥٠٠ و٦٣,٠٠٠ دولار، ونرى أن استعادة المتوسط الحقيقي للسوق قرب ٧٧,٠٠٠ دولار هو الشرط الأول لأي تحوُّلٍ نحو مرحلةٍ صاعدة جديدة.
الخلاصة
ما يجب مراقبته خلال الأسبوع المقبل:
الإثنين ٢٢ يونيو: قرار الفائدة في الصين، وكلمةٌ لعضو الفيدرالي والر تمثل أول قراءةٍ لمدى تماسك النبرة المتشدِّدة داخل الإدارة الجديدة للفيدرالي.
الثلاثاء ٢٣ يونيو: المؤشرات الأولية لمديري المشتريات (PMI) في الولايات المتحدة وأوروبا.
الأربعاء ٢٤ يونيو: نتائج أعمال شركة Micron لصناعة أشباه الموصلات.
الخميس ٢٥ يونيو: مؤشر التضخم الأمريكي لشهر مايو، وهي أول قراءة للتضخم بعد اجتماع وارش والحدث الأهم في الأسبوع. انتهاء صلاحية عقود خيارات الذهب والفضة.
الجمعة ٢٦ يونيو: مسح توقعات التضخم الصادر عن البنك المركزي الأوروبي.
ترقَّبوا عددنا القادم لمواكبة أبرز المستجدات وتحليل انعكاساتها على مختلف الأصول الاستثمارية.




تتوقع الفائده تستقر في حدود كام بعد الفتره دي تقريباً ؟
لما الفيدرالي يتراجع عن سياساته المتشددة الذهب هيصعد في منحني صاروخي؟
ولا الصعود هيكون هادي وعلي فتره؟