القمة الأمريكية-الصينية تنتهي دون تقدُّم سياسي
ارتفاعات جماعية في سوق السندات، واستمرار أزمة الطاقة
أهلًا بكم في نشرة أموال الأسبوعية!
سيطرت القمة الأمريكية-الصينية على عناوين الأخبار هذا الأسبوع. انتهت القمة في بكين يوم الأربعاء ١٣ مايو بإعلان ما سُمى بـ”إطار الاستقرار الاستراتيجي البنَّاء”، فيما تدخل الحرب على إيران أسبوعها الثاني عشر مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. شهدت أسواق السندات الأمريكية ارتفاعًا تاريخيًا خلال جلسة الجمعة، بينما ظلَّت أسواق الأسهم متمسكة بقممها التاريخية مع إغلاق S&P 500 عند ٧,٤٠٨ دولارًا. نُقدم في عدد هذا الأسبوع تحليلًا تفصيليًا لقمة بكين وانعكاساتها، ثم نستعرض أزمة هرمز ومسار الطاقة، وننتقل إلى حركة سوق السندات، قبل أن نختم بقراءة فنية للذهب وبتكوين.
نود التنويه أن نشرة أموال ستتوقف خلال الأسبوعين القادمين بمناسبة عيد الأضحى المبارك، على أن نعاود النشر يوم الأحد ٧ يونيو ٢٠٢٦.
قمة بكين: استقرار سياسي بلا هيكل مؤسسي
اختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني تشي چين بينج قمتهما في بكين يوم الأربعاء ١٣ مايو، بعد ساعات قليلة فقط من جلسة تثبيت وارش رئيسًا للفيدرالي. سافر الرئيس الأمريكي برفقة وفد رفيع من قيادات الشركات الكبرى يضم إيلون ماسك (Tesla) وجنسن هوانج (NVIDIA) وتيم كوك (Apple) ولاري فينك (BlackRock) ورؤساء Boeing وGoldman Sachs وQualcomm وMicron وMeta. أعلنت الإدارتان عن طلبية مبدئية من ٢٠٠ طائرة Boeing، مع ترتيبات لرفعها إلى ٧٥٠ طائرة على عدة مراحل، ومشتريات صينية موسَّعة من المنتجات الزراعية وفول الصويا والطاقة بقيمة “عشرات المليارات على مدى ثلاث سنوات” حسب الصيغة الرسمية للإعلان.
تركَّز ملف تايوان على نقاش “تفصيلي” حول حزمة الأسلحة الأمريكية الجديدة بقيمة ١٤ مليار دولار، لكن دون أي التزام أو جدول زمني. لجأ ترامب إلى صيغة “الغموض الاستراتيجي - Strategic Ambiguity” الكلاسيكية، فيما وصف الرئيس الصيني تايوان بأنها “القضية الأكثر أهمية” في العلاقة الثنائية، وحذَّر من احتمال “اندلاع اشتباكات وحتى صراعات” حول تايوان. نرى في أموال أن ما تم الإعلان عنه هو مجرد إطار سياسي وليس بنية مؤسسية تتضمن أية بروتوكولات لتجنُّب التصعيد، ولا حتى آليات مُحدَّدة لإدارة الأزمات.
أما بخصوص الحرب على إيران، يبدو أن النقاشات بين البلدين لم تتضمن أية مفاوضات حقيقية حول مسار الحرب. كنا قد أشرنا في عدد النشرة يوم ١٥ مارس الماضي إلى رغبة الولايات المتحدة في حث الرئيس الصيني على الضغط على طهران لفك الحصار عن مضيق هرمز، مقابل تنازلات في الملف التجاري وملف تايوان. نرى أن غياب التفاوض حول الحرب الحالية يعود إلى أن أوراق بكين في هذا الإطار تعززت بشكل كبير خلال الأسابيع الماضية بشكل يقلل رغبتها في الوساطة، حيث استمر تدفق النفط الإيراني إلى الصين رغم الحرب، وارتفعت نسبة المعاملات التجارية التي يتم تسويتها باليوان بدلًا من الدولار، ولم تؤثر الحرب بشكل ملحوظ على الاقتصاد الصيني رغم مرور أكثر من ١٠ أسابيع منذ بدء النزاع.
الأسبوع الثاني عشر للحرب على إيران
تدخل الحرب على إيران الأسبوع الثاني عشر دون أي إشارة جدية على إنهاء الحرب أو فك الحصار عن مضيق هرمز. يقترب خام برنت من حاجز ١١٢ دولارًا للبرميل بفعل تراكم الخسائر النفطية منذ بدء الحرب.
طبقًا لحسابات أموال، وبعد احتساب المسارات البديلة وبراميل النفط التي أفرجت عنها الولايات المتحدة وحلفائها من الاحتياطيات الاستراتيجية، يصل إجمالي الخسائر منذ بدء الحرب إلى ٦٠٠-٧٠٠ مليون برميل. لا تتجاوز طاقة خطوط الأنابيب البديلة لمضيق هرمز ٣٫٥-٥٫٥ مليون برميل يوميًا، مقابل تدفقات تتخطى ٢٠ مليون برميل يوميًا قبل الحرب. تراجعت صادرات السعودية بنحو الثلث، وصادرات الإمارات بنحو ٥٠٪، فيما توقفت صادرات البحرين وقطر والكويت بشكل شبه كامل.
طرحت طهران خمسة شروط لأي اتفاق نهائي تتضمن: وقف العمليات على جميع الجبهات، ورفع كافة العقوبات الأمريكية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المُجمَّدة، ودفع تعويضات عن أضرار الحرب، واستمرار السيادة الرسمية لإيران على مضيق هرمز. كرَّست إيران هذا الموقف عمليًا في ٧ مايو بإنشاء “هيئة مضيق الخليج الفارسي” التابعة للحرس الثوري، التي تشترط على جميع السفن التواصل معها للحصول على تصريح أمني للمرور.
الموعد الحرِج الذي حذَّرت منه شركة Aramco السعودية الأسبوع الماضي هو نهاية يوليو. بعد هذا التاريخ، تُصبح عودة تدفقات النفط إلى مستوياتها الطبيعية غير ممكنة قبل عام ٢٠٢٧، حتى لو انتهت الحرب، وفقًا للحسابات الفنية لإعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية.
💡 توقعات خبراء أموال: نتوقع أن يستمر خام برنت في التداول في نطاق ١٠٠-١٢٠ دولارًا خلال الأسبوعين القادمين، مع تصاعد احتمالات تخطى السعر مستوى ١٥٠ دولارًا إذا تصاعدت العمليات العسكرية مرة أخرى.
ارتفاعات جماعية في سوق السندات الأمريكية
كان الاختراق التاريخي للعوائد الحقيقية للخزانة الأمريكية الحدث المالي الأبرز على مستوى الأسواق هذا الأسبوع. أغلق عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل ٣٠ عامًا عند ٥٫١٢٢٪ للمرة الأولى في تاريخه، فيما وصل عائد العشر سنوات إلى ٤٫٥٩٥٪، وأغلق عائد السنتين عند ٤٫٠٨٪.
السبب الرئيسي وراء ارتفاع العوائد خلال الأسبوع هو تصاعد توقعات التشديد النقدي عبر البنوك المركزية العالمية. تُسعِّر الأسواق حاليًا رفعًا للفائدة الأمريكية مرة واحدة على الأقل خلال الإثني عشر شهرًا القادمة، مقابل رفع الفائدة ٤ مرات للبنك المركزي الأوروبي، و٣ مرات لبنك إنجلترا، و٣ مرات لبنك اليابان، ومرتين للبنك المركزي السويسري. عودة نبرة التشديد النقدي دفعت عوائد السندات العالمية إلى الارتفاع.
💡 توقعات خبراء أموال: نرى في أموال أن الارتفاع الحالي في التضخم هو ارتفاع هيكلي مدفوعٌ بأزمة الطاقة، وليس ارتفاعًا مؤقتًا يمكن للبنوك المركزية تجاوزه. نراقب العائد الحقيقي على السندات بأجل ٣٠ عامًا (العائد على السندات مخصومًا منه معدل التضخم)، والذي وصل خلال جلسة الجمعة إلى ٢٫٨٢٪. استمرار العائد الحقيقي في الارتفاع سيؤثر سلبًا على الأسواق بشكل عام. إذا وصل العائد الحقيقي إلى حاجز ٣٪، سنبدأ في رفع نسبة المخاطرة في محافظنا. أما إذا تجاوز العائد نطاق ٣٫٢٥-٣٫٥٠٪، سيدفع ذلك البنوك المركزية إلى التحول من التشديد (لمواجهة التضخم) إلى التيسير (لتجنُّب الركود)، ما سيستدعي المزيد من التعرُّض لأصول المخاطرة في محافظنا.
الذهب يتراجع بفعل ارتفاع العوائد على السندات
تعرَّض الذهب لتصحيح حاد خلال الأسبوع، حيث تراجع السعر بنسبة ٣٫٧٪ ليُغلق جلسة الجمعة عند ٤,٥٤٠ دولارًا للأونصة، فيما أغلقت عقود يونيو ٢٠٢٦ عند ٤,٥٦١ دولارًا. السبب الرئيسي للتصحيح هو ارتفاع العوائد على السندات الأمريكية، وكذلك الضغوط الميكانيكية لعقود خيارات شهر يونيو، والتي أشرنا إليها في العدد السابق.
💡 توقعات خبراء أموال: نرى أن التصحيح الحالي للذهب يخلق فرصة شراء للمستثمرين طويلي الأجل. هدفنا متوسط المدى للدورة الحالية ما زال عند ٦,٥٠٠ دولار خلال النصف الثاني من ٢٠٢٦، وهدفنا الاستراتيجي طويل المدى يصل إلى ٨,٠٠٠ دولار في ٢٠٢٧-٢٠٢٨.
بتكوين
يتداول بتكوين حاليًا ٧٨,٣٠٠ دولارًا، منخفضًا بنسبة ٤٫٧٥٪ خلال الأسبوع بفعل ارتفاع العوائد على السندات الأمريكية. يتحرك السعر حاليًا حول مستويات دعم تقليدية مثل متوسط تكلفة المستثمرين قصيري الأجل (STH Cost Basis) الذي يقع حاليًا عند ٧٨,٣٠٠ دولارًا، والمتوسط الحقيقي للسوق (True Market Mean) الذي يقع عند ٧٨,٢٧٠ دولارًا. أما مستوى المقاومة الأقرب فهو متوسط تكلفة شراء مستثمري صناديق ETFs الذي يقع حاليًا عند ٨٢,١٤٦ دولارًا.
على الصعيد المؤسسي، سجَّلت صناديق ETFs لبتكوين أول أسبوع من التدفقات السلبية الصافية منذ فبراير، بأكثر من مليار دولار. تراجعت كذلك نسبة الحيازات المؤسسية المُعلنة في تقارير 13F إلى ٣٨٪ من إجمالي الحيازات (من ٤٠٪ في الربع الرابع ٢٠٢٥)، بفعل عمليات جني الأرباح في نهاية العام، مع دخول مجلس أبوظبي للاستثمار إلى السوق للمرة الأولى عن طريق شراء ٤,٦٢٨ بتكوين (حوالي ٣٦٢ مليون دولار بأسعار اليوم).
💡 توقعات خبراء أموال: الارتفاع المحتمل للعوائد الحقيقية على السندات الأمريكية قد يوقف مرحلة التعافي التي دخلها سوق العملات الرقمية خلال الأسابيع الماضية. يبقى بتكوين الأصل الأكثر عرضة للهبوط في حال تفاقم الأزمة الجيوسياسية، ولذلك نحافظ على التعرُّض دون الحد الأقصى المسموح به في محافظنا.
الخلاصة
ما يجب مراقبته الأسبوع المقبل:
الإثنين ١٨ مايو: خطابات متعددة من محافظي الفيدرالي.
الأربعاء ٢٠ مايو: تقرير أرباح شركة NVIDIA، وهو الحدث الأهم على الإطلاق هذا الأسبوع. محضر اجتماع الفيدرالي الأخير.
الخميس ٢١ مايو: مؤشرات PMI الأولية لمنطقة اليورو.
نود التنويه أن نشرة أموال ستتوقف خلال الأسبوعين القادمين بمناسبة عيد الأضحى المبارك، على أن نعاود النشر يوم الأحد ٧ يونيو ٢٠٢٦.
ترقَّبوا عددنا القادم لمواكبة أبرز المستجدات وتحليل انعكاساتها على مختلف الأصول الاستثمارية.




