وارش أمام اختباره الأول: اجتماع الفيدرالي يحدِّد وجهة الأسواق
التضخم يقفز إلى ٤٫٢٪، وسبيس إكس تدخل التاريخ بأكبر طرح عام، والأسواق تنتظر قرار الأربعاء
أهلًا بكم في نشرة أموال الأسبوعية!
تتجه كل الأنظار هذا الأسبوع نحو اجتماع الاحتياطي يوم الأربعاء ١٧ يونيو، الاجتماع الأول الذي يترأسه كيڤن وارش رئيسًا للفيدرالي. نُخصص عدد هذا الأسبوع لتحليل معركة التضخم وقراءة وارش، ثم ننتقل إلى أكبر طرح عام في التاريخ (سبيس إكس) وتأثيره على حركة الأسواق، قبل أن نختم بقراءة فنية للذهب وبتكوين بعد تصحيحهما الحاد.
التضخم واجتماع وارش الأول
يواجه كيڤن وارش هذا الأسبوع اختباره الأول والأهم، اجتماع يوم الأربعاء ١٧ يونيو، أول اجتماع يقوده بصفته الرئيس الجديد للبنك المركزي الأمريكي. والسؤال الرئيس الذي تتمحور حوله حركة الأسواق هو: هل “يتغاضى” وارش عن قفزة التضخم المدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة؟ أم يُحول دفة الفيدرالي نحو التشديد النقدي؟
ارتفع التضخم العام (Headline CPI) في البيانات الأخيرة إلى ٤٫٢٪ على أساس سنوي، مدفوعًا بالارتفاع في أسعار الطاقة، الأثر المباشر لصدمة النفط الناجمة عن الحرب على إيران، في حين لم يرتفع التضخم الأساسي (Core CPI) سوى ٠٫٢٪ على أساس شهري. ما يعني أن مكون التضخم الذي يملك الفيدرالي أدوات التأثير فيه انضبط بالفعل (التضخم الأساسي - Core CPI)، لكن بالنظر إلى متوسط التضخم خلال الثلاثة أشهر الماضية (على أساس سنوي) نرى أن التضخم العام يقترب من ٨٪، والأساسي عند ٣٫١٪، ويستمر في التسارع للشهر الثاني على التوالي، وكلها مؤشرات على اتساع الأزمة لا اقتصارها فقط على صدمة أسعار الطاقة.
هنا ينقسم المحللون. يرى البعض أن التضخم مازال “عنيدًا”، خصوصًا في ظل الأثر التحفيزي المتراكم لخفض الفائدة بمقدار ١٧٥ نقطة أساس منذ خريف عام ٢٠٢٤. في المقابل، يرى فريقًا آخَر من المحللين أن الارتفاع الحالي في التضخم يأتي مدفوعًا بأزمة مؤقتة في أسعار الطاقة، وأن توقعات التضخم مازالت منضبطة. والأهم، في ظل تراجع حدة الحرب الأمريكية على إيران، فالنفط مُرشَّح للهبوط مجددًا.
أما وارش نفسه، فطبقًا لتصريحاته المتتالية في السنوات الماضية، ومنذ أن كان محافظًا بالفيدرالي بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠١١، فيتبنّى مواقف متشكِّكة في جدوى توسيع الميزانية العمومية للفيدرالي (ما يُسمى بـ”التيسير الكمِّي”). وبخصوص التضخم، يردِّد وارش دومًا أن أن البنك المركزي قادرٌ على بلوغ أي مستوى يستهدفه، وأن “الفيدرالي ليس ورشة إصلاح” لسياسات مالية أو تجارية معطوبة، في إشارة إلى أن السياسة المالية للحكومات المتتالية تحمل نفس أهمية السياسة النقدية. على الورق، هذا ملمحٌ متشدِّد، لكن في المقابل قد يُجادل وارش أيضًا بأن ارتفاع التضخم مدفوعًا بأزمة مؤقتة في أسعار الطاقة ليست مشكلة الفيدرالي أصلًا.
بخصوص قرار الفائدة نفسه، تتوقع الأسواق بنسبة ٩٧٫٥٪ أن يتم تثبيت الفائدة في اجتماع هذا الأسبوع. الخلاف الحقيقي حول النبرة المتوقعة في المؤتمر الصحفي، وما إذا كان وارش سيتبني نبرة تشديدية في أولى اجتماعاته، أو يسير على خطى چيروم باول ويعلم التزام الفيدرالي بما تُفصح عنه البيانات الاقتصادية.
سبيس إكس تدخل التاريخ بأكبر طرح عام
كان الحدث الأبرز هذا الأسبوع هو الطرح العام الأولي لشركة سبيس إكس (SpaceX). تخطت قيمة الشركة في يوم التداول الأول ٢٫١ تريليون دولار أمريكي، لتحتل بذلك المركز السابع ضمن قائمة الشركات الأعلى قيمة في العالم.كان آخر تقييم خاص واضح لسبيس إكس نحو ٣٥٠ مليار دولار في ديسمبر ٢٠٢٤، ما يعني أن الطرح الحالي يُمثل إعادة تسعير بنحو ٦ أضعاف في ثمانية عشر شهرًا تقريبًا. ومن وجهة نظرنا، يصعب ربط تقييمٍ بهذا الحجم لشركة ما زالت تستوعب خسائر تراكمية بالمليارات بأسس التدفق النقدي التقليدية. الأقرب أنه تسعيرٌ مدفوع بالزخم الحالي في الأسواق. السجل التشغيلي لسبيس إكس استثنائي فعلًا، لكن المستوى الحالي للسعر يتضمن تفاؤلًا مستقبليًا ضخمًا.
الآلية التي تهمّنا هي الارتفاع المتوقع في المعروض من أسهم سبيس إكس خلال الأشهر القادمة. لم يُطرح من أسهم الشركة سوى نحو ٧٥ مليار دولار من أصل تقييمٍ يقارب ٢٫١ تريليون، أي أقل من ٤٪. أما الـ٩٦٪ المتبقية فبيد المؤسِّسين والموظفين الأوائل والمستثمرين المغامرين (Venture Capital Investors)، مُقيَّدة باتفاقيات حظر بيع (Lockup) تنتهي عادةً خلال ٩٠ إلى ١٨٠ يومًا بعد الطرح الأولي. وحين تُفتح تلك النوافذ، تتحوَّل حصيلةٌ ضئيلة معروضة إلى تيارٍ متنامٍ من الأسهم المطروحة، ما سيشكل ضغطًا سلبيًا على السعر.
ويتزامن ذلك مع ضعف الطلب في السوق بشكل عام. حيث ظلَّت عملية إعادة شراء الأسهم لسنوات أكبر مصدر طلبٍ هيكلي بنحو تريليون دولار سنويًا، مما كان يمتص المعروض. لكن إذا حوَّلت كبرى شركات التكنولوجيا سيولتها نحو الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي وأصدرت أسهمًا في الوقت ذاته للحصول على المزيد من رؤوس الأموال، سيشكل ذلك ضغطًا هيكليًا على الأسواق.
💡 توقعات خبراء أموال: نراقب نبرة الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع، بالتوازي مع مراقبة التطورات الأخيرة في الحرب على إيران، وكذلك الطروحات الجديدة في السوق. لن نُحارب الاتجاه الصاعد للسوق، لكننا نحتفظ بسيولة كافية لاقتناص الفرص في الوقت المناسب.
الذهب يُعمق خسائره بفعل ارتفاع العوائد على السندات
تعرَّض الذهب لتصحيح حاد خلال شهور يونيو، حيث تراجع السعر بنسبة ٧٪ منذ بداية الشهر ليُغلق جلسة الجمعة الماضية عند ٤,٢١٨ دولارًا للأونصة، بعد وصوله لأقل من ٤,٠٢٥ دولارًا خلال جلسة الأربعاء. يأتي التراجع المستمر بفعل الضغط المتزايد من ارتفاع عوائد السندات، الارتفاع الذي يؤثر سلبًا على أسعار الأصول بشكل عام، وسعر الذهب تحديدًا. أدى الهبوط المضطرد خلال الأسابيع الماضية إلى تصفية مراكز الرافعة المالية في أسواق الذهب، ما أدى إلى الهبوط الكبير في جلسة الأربعاء.
على المدى القصير، سيتحكم سوق الخيارات في حركة سعر الذهب حتى انتهاء صلاحية عقود يوليو في ٢٥ يونيو القادم. تقع نقطة التوازن لعقود يوليو عند نحو ٤,٤٠٠ دولارًا، ما يعني أن سعر الذهب يمكنه التحرك دون ضغط يُذكر تجاه هذا المستوى، بشرط عدم ارتفاع عوائد السندات مرة أخرى.
💡 توقعات خبراء أموال: تخارجت محافظ أموال من مراكز الذهب في الأسبوع الأخير من مايو لتجنُب التصحيح الأخير. نرى أن الهبوط الأخير نحو ٤,٠٢٥ دولارًا يخلق فرصة دخولٍ استراتيجية، لكننا نُفضِّل انتظار اجتماع الفيدرالي وانتهاء صلاحية عقود الخيارات قبل العودة للسوق. نستهدف ٥,٠٠٠-٥,٢٠٠ دولار خلال الفترة من يوليو إلى منتصف أغسطس إذا لم ترتفع عوائد السندات مرة أخرى. ونرى أن أهدافنا طويلة الأمد بخصوص الذهب مازالت قائمة، لكن الهدف القادم عند ٦,٥٠٠ دولارًا للأونصة قد يتأخر حتى النصف الأول من ٢٠٢٧.
بتكوين
يتداول بتكوين حاليًا عند مستوى ٦٤,٤٥٠ دولارًا، منخفضًا بنسبة ١٢٫٥٪ في شهر مايو بفعل ارتفاع العوائد على السندات الأمريكية. كل مستويات التكلفة الرئيسية، والتي تمثل عادة مستويات الدعم والمقاومة التقليدية، تقع الآن فوق السعر الحالي. متوسط تكلفة المستثمرين قصيري الأجل (STH Cost Basis) يقع حاليًا عند ٧٢,٣٤٠ دولارًا، والمتوسط الحقيقي للسوق (True Market Mean) يقع عند ٧٧,١٣٥ دولارًا. أما متوسط تكلفة شراء مستثمري صناديق ETFs فيقع حاليًا عند ٨٣,٢٣٠ دولارًا.
💡 توقعات خبراء أموال: تخارجت محافظ أموال من مراكز بتكوين في الأسبوع الأخير من مايو حول ٧٧,٠٠٠ دولار لتجنُب التصحيح الأخير. يقع الدعم الحقيقي للدورة الحالية في مستويات ٤٠,٠٠٠ إلى ٤٩,٥٠٠ دولار، ويحتاج بتكوين تراجعًا في عوائد السندات الأمريكية وتراجعًا مماثلًا في الدولار الأمريكي ليستطيع الصعود بشكل مستدام.
الخلاصة
نرى ثلاثة سيناريوهات للأسبوع القادم، تدور كلها حول اجتماع الفيدرالي يوم الأربعاء:
السيناريو الأساسي (احتمال ٦٠٪): يُثبِّت الفيدرالي الفائدة مع الظهور بنبرة محايدة في المؤتمر الصحفي يتغاضى فيها وارش عن التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة. يبقى الدولار متماسكًا، وترتفع الأسهم ولو بشكل طفيف، يستقر الذهب، ويميل بتكوين نحو الاستقرار أو الهبوط الطفيف
السيناريو الصاعد (احتمال ١٥-٢٠٪): يظهر وارش بشكل متساهل على غير المتوقع بفعل هبوط النفط على خلفية التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران. ينخفض الدولار، وترتفع كافة الأصول.
السيناريو الهابط (احتمال ٢٠-٢٥٪): يكشف وارش عن وجهٍ متشدِّد، فترتفع العوائد على السندات مجددًا، وتبدأ موجة تصحيح عبر كافة الأصول.
ما يجب مراقبته خلال الأسبوع المقبل:
الثلاثاء ١٦ يونيو: قرار بنك اليابان (رفع متوقَّع للفائدة بمقدار ٢٥ نقطة)، وحزمة بيانات النشاط الاقتصادي الصيني لشهر مايو (الإنتاج الصناعي، والاستثمار، ومبيعات التجزئة، والإسكان).
الأربعاء ١٧ يونيو: قرار الفيدرالي وأول مؤتمر صحفي لوارش، وهو الحدث الأهم على الإطلاق.
ترقَّبوا عددنا القادم لمواكبة أبرز المستجدات وتحليل انعكاساتها على مختلف الأصول الاستثمارية.



