الأسواق ترتفع على وقع محادثات السلام والمستثمرون يتجاهلون إشارات الخطر
مفاوضات إسلام آباد تتعثَّر، والنفط يستقر حوال ١٠٠ دولار
أهلًا بكم في نشرة أموال الأسبوعية!
قفزت الأسواق هذا الأسبوع بنحو ٣٫٥٪ بعد إعلان مفاوضات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية، ليصل مؤشر S&P 500 إلى نحو ٦,٨١٥ نقطة. لكن الجولة الأولى من المحادثات انتهت بالفعل دون نتيجة تُذكر، والضربات الإسرائيلية على لبنان استمرت خلال الهدنة المُعلنة، ومضيق هرمز مازال مُغلقًا. يُشير تحليلنا إلى أن المفاوضات بشكلها الحالي مرشحة للفشل، وأن الأسواق تُسعّر تفاؤلًا لا يستند إلى أساس متين.
نرصد في نشرة هذا الأسبوع أسباب اعتقادنا بأن مفاوضات السلام ستفشل، ثم ننتقل إلى تحليل سوق النفط الذي يأبى الهبوط رغم أخبار التهدئة، ونستعرض مسار الذهب، وأخيرًا نقيِّم الوضع الحالي لبتكوين.
هل تنجح مفاوضات السلام بين إيران والولايات المتحدة؟
قفزت الأسواق هذا الأسبوع على وقع إعلان مفاوضات وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية، لكن الجولة الأولى انتهت بالفعل دون نتيجة. وصل نائب الرئيس ڤانس إلى إسلام آباد يوم السبت ١١ أبريل لقيادة ما وصفته الإدارة الأمريكية بـ”جولة حاسمة” من المفاوضات، بينما كان الوفد الإيراني قد وصل العاصمة الباكستانية يوم الخميس. لكن المحادثات تعثّرت سريعًا ولم تُسفر عن أي اتفاق أو حتى إطار مبدئي ملزم.
فشل الجولة الأولى لم يكن مفاجئًا لنا. تقديرنا أن الجولات اللاحقة ستفشل هي الأخرى في التوصل إلى اتفاق فعلي، لأن العقبات التي تمنع التوصل لاتفاق شامل أكبر من أن يتم تخطيها خلال المفاوضات بشكلها الحالي.
أولًا: إيران تُفاوض من موقع قوة. فقد نجا النظام الإيراني من ستة أسابيع من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المركَّزة، ومازال يحتفظ بقدرات صاروخية وهجومية كبيرة، ويُسيطر فعليًا على مضيق هرمز الذي يمرُّ عبره نحو ٢٠٪ من النفط العالمي و٣٠٪ من الغاز المسال. تُشير التقديرات إلى أن إيران تملك وقودًا نوويًا يكفي لصنع ١٠-١٦ قنبلة، وأن ٣٠٪-٥٠٪ من قدراتها الصاروخية مازالت سليمة في مخابئ محصَّنة تحت الأرض. في المقابل، قبول ترامب لخطة إيران ذات النقاط العشر كأساس للمفاوضات يأتي كتنازلٍ فعلي مدفوع بالأزمة العسكرية والاقتصادية. حين يُفاوض طرف من موقع قوة وآخَر من موقع يأس واضطرار، يملك الطرف الأقوى كل الحوافز لاستنزاف المفاوضات وانتزاع أقصى التنازلات، وهو بالضبط ما يُتوقع أن تفعله إيران. فكلما طال أمد الصراع، زاد نفوذها، حتى مع استمرار الضربات الجوية. لا توجد حالة تاريخية واحدة تنازلت فيها دولة عن قوتها الناشئة طوعيًا دون هزيمة عسكرية ميدانية. ما يعني أن مطالبة إيران بالتخلِّي عن نفوذها على طاولة المفاوضات، في ظل الدعم المالي والعسكري من الصين وروسيا، ودون هزيمة واضحة في الميدان، يتناقض مع كل نمط تاريخي معروف.
ثانيًا: الفجوة بين دوافع الطرفين للتفاوض فجوة هيكلية. قبِل ترامب علنًا خطة إيران ذات النقاط العشر كأساس للتفاوض، لكنه في الوقت نفسه يُهدد باستخدام القوة العسكرية بشأن رسوم عبور هرمز ويُصرُّ على أن إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا. الولايات المتحدة مازالت تبحث عن صيغة تضمن تحقيق بعضًا من الأهداف الأصلية للحرب (وقف تخصيب اليورانيوم، خفض القدرات الصاروخية الإيرانية، وقف الدعم الإيراني لحلفائها في المنطقة)، بينما تطالب إيران برفع دائم للعقوبات، ووقف الهجمات على حلفائها، وقواعد عبور جديدة لمضيق هرمز تُحددها طهران. ولا تتفاوض أصلًا حول الملف النووي، القضية الأهم على الإطلاق، والتي غابت تمامًا عن خطة إيران ذات النقاط العشر. ما يعني أن المفاوضات تبدأ وأكثر الملفات حساسية لم يُطرح أصلًا على الطاولة.
ثالثًا: إسرائيل تُخرِّب عملية التفاوض بشكل متعمد. لا يوجد وقف فعلي لإطلاق النار حتى الآن لأن إسرائيل تواصل قصف لبنان، وإيران اشترطت وقف هذه الضربات لإعادة فتح المضيق. يرى نتنياهو في استمرار الحرب الحالية فرصة غير مسبوقة لاستنزاف إيران وحزب الله، وجر المنطقة بأكملها لحرب واسعة النطاق تقف فيها دول الخليج في الجانب الإسرائيلي، ما يعزز من فرص نتنياهو في الانتخابات المقبلة. ما لم يكن ترامب مستعدًا للضغط بقوة على نتنياهو، وهو احتمال ضعيف، فإن أحد أهم الشروط الإيرانية لبدء التفاوض لن يتحقق أصلًا.
رابعًا: اعتبارات السياسة الداخلية تُقيِّد حركة المُفاوض الأمريكي. حتى لو كان چيه دي ڤانس يسعى بصدق للوصول إلى اتفاق، فإن أي سلام تظهر فيه الولايات المتحدة وكأنها هُزمت عسكريًا سيُعرِّضه لهجوم شرس من المحافظين الجدد واليمين المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ما يقلص حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة في ٢٠٢٨. قد يدفع هذا الضغط السياسي الوفد الأمريكي نحو مواقف أكثر تشددًا مما يُبرره الواقع الميداني.
الخلاصة أن الطرفين لا يتفاوضان على الشيء نفسه. إيران تتفاوض لتثبيت ما تراه نصرًا، والولايات المتحدة تتفاوض للتغطية على ما يبدو وكأنه هزيمة. أضف إلى ذلك التخريب الإسرائيلي، وتأرجُح ترامب بين المصالحة والتهديد بالإبادة، وغياب الملف النووي تمامًا عن الإطار المتفق عليه، وانعدام أي آلية لإنفاذ هذا الاتفاق في المستقبل، وستميل الكفَّة بوضوح نحو انهيار المفاوضات بشكلها الحالي، والعودة مجددًا للتصعيد العسكري.
النفط يستقر حول ١٠٠ دولار رغم التهدئة
تراجع خام غرب تكساس من نحو ١١١ إلى ١٠٣ دولار على خلفية أخبار الهدنة، وتراجع خام برنت إلى نحو ١٠١ دولار. لكن بقاء الأسعار فوق ١٠٠ دولار رغم التهدئة التي دفعت الأسهم للصعود يُشير إلى أن المتداولين في أسواق الطاقة يدركون التأثير الكارثي الممتد لاستمرار إغلاق مضيق هرمز.
استقرار أسعار النفط فوق ١٠٠ دولار يمثل بمثابة عبئًا هيكليًا على الاقتصاد العالمي يُعادل انكماشًا بنحو ١٪ من الناتج الإجمالي العالمي، وهو ضغط سيتراكم على مدار الأشهر القادمة إذا لم تنتهي أزمة المضيق.
💡 توقعات خبراء أموال: سعر النفط هو الإشارة الأهم التي يجب مراقبتها الأسبوع المقبل. أي تأكيد على زيادة حركة الناقلات غير الإيرانية عبر هرمز سيكون الإشارة الأكثر إيجابية لأصول المخاطرة، ومن المرجح أن يدفع النفط تحت ٩٠ دولارًا ويساعد الأسهم على الاستقرار مؤقتًا حول ٦,٨٠٠ نقطة. في المقابل، انهيار المفاوضات قد يدفع النفط نحو ١٢٠ دولارًا أو أكثر.
الذهب يقترب من ٥,٠٠٠ دولار
استقر الذهب في نطاق ضيق بين ٤,٦٠٠ و٤,٨٠٠ دولار هذا الأسبوع. يقع سعر التوازن لعقود الخيارات المنتهية في مايو عند ٤,٧٠٠ دولار، ما يعني أن حركة السعر ستتأرجح حول هذا المركز خلال أيام التداول المتبقية قبل أن يتحرر السعر في اتجاهه المحتمل نحو الأعلى، بهدف مبدئي يقع في نطاق ٥,٠٠٠-٥,٢٠٠ دولار.
لفهم وضع الذهب الحالي، يجب العودة إلى مساره منذ اندلاع الحرب. كان الذهب يتداول فوق ٥,١٠٠ دولار قبيل بدء العمليات العسكرية في ٢٨ فبراير، وكان المنطق يقول إن حربًا كبرى في الشرق الأوسط ستدفعه للصعود. لكن ما حدث كان العكس تمامًا، حيث انهار الذهب بشكل حاد ولامس مستوى ٤,١٠٠ دولار في ٢٣ مارس، تراجع بنحو ٢٠٪ في أقل من شهر. جاء هذا الانهيار مدفوعًا بارتفاع الدولار، وضغوط ميكانيكية من تصفية عقود الخيارات، وموجة تصفية عنيفة لمراكز الرافعة المالية (De-Leveraging)، وهو نمط مألوف في الأيام الأولى من الصدمات الكبرى حين يضطر المستثمرين إلى بيع كل شيء بما في ذلك أصول الملاذ الآمن.
لكن مستوى ٤,١٠٠ دولار أثبت أنه نقطة انعطاف حقيقية. ارتفع الذهب بنحو ١٥٪ ليستقر الآن في نطاق ضيق بين ٤,٦٠٠ و٤,٨٠٠ دولار. يقع سعر التوازن لعقود الخيارات المنتهية في مايو عند ٤,٧٠٠ دولار، ما يعني أن حركة السعر ستتأرجح حول هذا المركز خلال أيام التداول المتبقية قبل أن يتحرر السعر في اتجاهه المحتمل نحو الأعلى، بهدف مبدئي يقع في نطاق ٥,٠٠٠-٥,٢٠٠ دولار، أي استعادة مستويات ما قبل الحرب كمحطة أولى.
وهنا يتقاطع تحليلنا للذهب مع تقديرنا لمسار المفاوضات. كما فصّلنا أعلاه، نرى أن انهيار المفاوضات هو السيناريو الأرجح. لكن قبل أن نُقدّر أثر ذلك على الذهب، يجب أن نجيب على سؤال منطقي: إذا كان اندلاع الحرب في فبراير قد أدى إلى انهيار الذهب بنسبة ٢٠٪، فلماذا نتوقع أن يدفعه فشل المفاوضات، أي استئناف التصعيد، نحو الأعلى هذه المرة؟
يكمن الفارق الجوهري في طبيعة الصدمة. انهيار مارس لم يكن بيعًا للذهب بسبب تراجع الطلب عليه كملاذ آمن، بل كان جزءًا من موجة تسييل قسرية شملت جميع الأصول دون استثناء كما فصَّلنا. يتكرر هذا النمط في كل أزمة كبرى، فقد انهار الذهب في الأيام الأولى من أزمة ٢٠٠٨، وفي بداية جائحة ٢٠٢٠، قبل أن يرتد بقوة في كل مرة بمجرد انتهاء مرحلة التصفية القسرية.
يختلف الوضع اليوم من ثلاثة أوجه. أولًا، صدمة التسييل القسري حدثت بالفعل واستُنفذت نسبة كبيرة من مراكز الرافعة المالية. ثانيًا، البيئة الكلية تتغير تدريجيًا لصالح الذهب، لأن الارتفاع المتوقع للتضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي إلى هبوط العائد الحقيقي على السندات (العائد على السندات مخصومًا منه معدل التضخم)، وانخفاض العائد على السندات يرفع من جاذبية الذهب كأصل استثماري، ما يجدب المزيد من رؤوس الأمول ويدفع سعر الذهب للصعود. ثالثًا، فشل المفاوضات ليس حدثًا مفاجئًا كاندلاع الحرب، تُسعّر الأسواق بالفعل احتمالًا جزئيًا لعدم التوصل لاتفاق، ما يعني أن الانتقال سيكون تدريجيًا لا مفاجئًا، وهو بالضبط نوع التحول الذي يدعم صعود الذهب.
في المقابل، إذا تحوَّل فشل المفاوضات إلى تصعيد عسكري مفاجئ يفوق مستوى الأزمة ما قبل التفاوض، في صورة ضربة أمريكية واسعة النطاق على البنية التحتية الإيرانية ترد عليه إيران بضربة مماثلة للبنية التحتية الخليجية، فقد نشهد موجة تسييل قسرية جديدة تُعيد الذهب مؤقتًا إلى الأسفل قبل أن يرتد، تمامًا كما حدث في فبراير. لكن مثل هذا التراجع سيكون فرصة شراء جديدة للمستثمرين طويلي الأجل.
💡 توقعات خبراء أموال: يستمر الذهب مسار الصعود الذي توقعناه العام الماضي. فشل المفاوضات التدريجي، وهو السيناريو الأرجح، سيدعم اختراق مستوى ٥,٠٠٠ دولار. أما التصعيد العسكري المفاجئ فقد يُسبب تراجعًا مؤقتًا نعتبره فرصة شراء. المحطة القادمة هي ٥,٠٠٠-٥,٢٠٠ دولار كهدف فني قريب المدى، مع إمكانية الوصول إلى نطاق ٦,٥٠٠ دولار وما فوق خلال النصف الثاني من ٢٠٢٦.
بتكوين
ارتفع بتكوين بنسبة ٨٫٨٪ هذا الأسبوع ليتخطى مستوى ٧٣,٠٠٠ دولار، قبل أن يتراجع مرة أخرى إلى ما دون ٧١,٥٠٠ دولار بسبب تعثر المفاوضات.
نرى أن شروط التعافي المستدام لم يتحقق أي منها حتى الآن. أولًا، يجب أن يتوقف متوسط تكلفة الشراء للمستثمرين قصيري الأجل عن الانخفاض. ثانيًا، يجب أن تنخفض خسائر المستثمرين طويلي الأجل المُحققة من أكثر من ٤,٠٠٠ بتكوين يوميًا إلى أقل من ١,٠٠٠ بتكوين. ثالثًا، يجب أن يستعيد السعر مستوى ٨٠,٠٠٠ دولارًا الذي يمثل نقطة التعادل للمستثمرين قصيري الأجل، وهو يبعد حوالي ١١٪ عن السعر الحالي.
على الصعيد المؤسسي، قفزت تدفقات صناديق بتكوين المتداولة (ETFs) إلى ٧٧١ مليون دولار هذا الأسبوع مقارنة بـ٢٢ مليون دولار فقط الأسبوع الماضي. يقع متوسط تكلفة شراء مستثمري الصناديق حاليًا عند ٨٢,٣٥٣ دولار، ما يعني أنه في المتوسط يتحمل المستثمرون المؤسسيون خسارة غير محققة بنسبة ١٢٪، ما قد يمثل ضغطًا إضافيًا يمنع صعود السعر بشكل مستدام.
💡 توقعات خبراء أموال: نحافظ على موقفنا الحذر تجاه بتكوين. مستوى المقاومة الأهم عند ٧٨,٠٠٠-٨١,٠٠٠ دولار، ومستوى الدعم الأول عند ٦١,٠٠٠-٦٢,٠٠٠ دولار.
الخلاصة
في أموال، نراقب التطورات الحالية باهتمام بالغ لكن دون تسرُّعٍ يدفعنا إلى مطاردة الارتفاع الحالي في أسعار الأسهم. لدينا تصور إيجابي لحركة سعر الذهب كأصلٍ يدعمه كلا المسارين، نجاح المفاوضات أو العودة للتصعيد. ونحتفظ بسيولة كافية لاقتناص الفرص في حال تدهورت الأوضاع بشكل يدفع الأصول للمزيد من الهبوط. ونبقى خارج بتكوين حتى تتحقق شروط التعافي المستدام.
ما يجب مراقبته الأسبوع المقبل:
الثلاثاء ١٤ أبريل: مؤشر أسعار المنتجين لشهر مارس. وبيانات الصادرات الصينية.
الأربعاء ١٥ أبريل: تقرير مبيعات التجزئة الأمريكية، الذي سيشكل قراءة أولية لتأثير صدمة النفط على الاقتصاد الحقيقي.
الخميس ١٧ أبريل: الناتج المحلي الإجمالي الصيني للربع الأول، الفحص الاقتصادي الأشمل للصين منذ بداية الأزمة.
الجمعة ١٨ أبريل: خطاب كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، وهو آخر تواصل إعلامي للفيدرالي قبل فترة الصمت التي تسبق اجتماع ٢٨-٢٩ أبريل.
ترقّبوا عددنا الأسبوعي يوم الأحد القادم، لمواكبة أبرز المستجدات وتحليل انعكاساتها على مختلف الأصول الاستثمارية.




تسلم الايادي على الطرح المميز ده ❤️