شبح الركود التضخمي يعود إلى صدارة المشهد
أسعار الطاقة تتصاعد بفعل الحرب، وسوق العمل الأمريكي يواجه أزمة غير متوقعة
أهلًا بكم في نشرة أموال الأسبوعية!
يتشكّل أمامنا هذا الأسبوع مشهد اقتصادي معقد: صدمة تاريخية في أسعار الطاقة مدفوعة بتطورات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، وبيانات توظيف أمريكية صادمة تشير إلى تباطؤ كبير في سوق العمل. يضع هذا المزيج الاقتصاد العالمي في قبضة الركود التضخمي، ويُجبر الاحتياطي الفيدرالي على إعادة حساباته.
إغلاق مضيق هرمز يدفع النفط إلى ٩٥ دولار
شهدت أسواق الطاقة هذا الأسبوع أعنف موجة صعود منذ حظر النفط عام ١٩٧٣. قفز خام غرب تكساس الوسيط بنسبة ٣٥٫٦٪ ليُغلق عند ٩٠٫٩ دولارًا للبرميل، فيما أغلق خام برنت عند مستوى ٩٣٫٥ دولار، بعد صعوده مؤقتًا فوق حاجز ٩٥ دولار.
ما يُميّز هذه الأزمة عن سابقاتها هو غياب أي مسار دبلوماسي واضح. في حربي الخليج الأولى (١٩٩١) والعراق (٢٠٠٣)، كان هناك تحالف دولي واسع وأهداف محددة وقابلة للتحقيق، وتعافت الأسواق بسرعة بعد بدء العمليات كما أفردنا في عدد النشرة السابق. أما اليوم، فلا تحالف ولا وساطة ولا أفق للتهدئة، مع تصريح واشنطن وتل أبيب صراحةً بأن تغيير النظام هو الهدف المُعلن، وهو تصريح يُغلق أبواب التفاوض على المدى القريب. كما يؤكد هيكل أسعار العقود الآجلة للنفط هذا التشاؤم، حيث تتوقع الأسواق، وفقًا لحركة هذه العقود، استمرار الأزمة لعدة أشهر.
💡 توقعات خبراء أموال: مع تخطي سعر النفط المستوى الحرج عند ٨٥ دولار، نتوقع أن تتحول الأزمة الحالية بالتدريج من أزمة لوچيستية مؤقتة إلى أزمة هيكلية تؤثر على القدرات الإنتاجية لدول المنطقة على المدى الطويل. نتوقع أن تنعكس تكاليف الطاقة المرتفعة على أسعار كافة المنتجات في العالم خلال ٤ إلى ٨ أسابيع.
تقرير الوظائف الأمريكية يُعيد شبح الركود التضخمي إلى واجهة المشهد
جاء تقرير الوظائف الأمريكية يوم الجمعة بمثابة صدمة إضافية. سجّل الاقتصاد الأمريكي فقدان ٩٢ ألف وظيفة، وهو أول رقم سلبي منذ سنوات، مقابل التوقعات بإضافة أكثر من ٥٠ ألف وظيفة. ارتفع معدل البطالة إلى ٤٫٤٪ بعد أن كان ٤٫١٪، وتراجعت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو ٦٢٪، وهو مستوى لم نشهده منذ منتصف السبعينيات. والأخطر من ذلك أن المراجعة السنوية كشفت أن الاقتصاد الأمريكي أضاف ١٨٠ ألف وظيفة فقط خلال عام ٢٠٢٥، أي أن معظم الأرقام المُعلنة سابقًا كانت أعلى من الواقع.
وبالنظر إلى تفاصيل البيانات نلاحظ صورة أكثر خطورة. يُظهر القطاع الخاص انكماشًا فعليًا بمعدل -٠٫٨٪ سنويًا. كما أن هناك ما يقرب من ١٫٦ مليون شخص في سنّ الإنتاج خارج السوق رغم رغبتهم في العمل، لو احتُسبوا ضمن البيانات لارتفع معدل البطالة إلى ٥٫٤٪.
يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه الآن عالقًا في مأزق تاريخي. بيانات التضخم الحالية تُشير إلى أن المعدل السنوي للمكون الأساسي للتضخم يقف عند مستوى ٣٪، متجاوزًا المستوى المستهدف عند ٢٪. ومن المتوقع أن يتجه التضخم للصعود مدفوعًا بصدمة أسعار الطاقة، ما يستدعي تثبيت الفائدة في المستويات الحالية، أو حتى رفعها إذا استدعى الأمر. في المقابل، الضعف المتزايد لسوق العمل يستدعي خفض الفائدة.
💡 توقعات خبراء أموال: لا نتوقع بأي حال من الأحوال أن يقرر الفيدرالي رفع الفائدة لمواجهة مخاطر التضخم، هذا الخيار لا يمكن تمريره سياسيًا واقتصاديًا. لكنه لن يخفضها بالقدر الذي كان متوقعًا. نُراقب بيانات التضخم يوم الأربعاء ١١ مارس عن كثب.
الأسهم العالمية تتراجع وعائد السندات يرتفع
تراجعت الأسواق العالمية هذا الأسبوع تحت وطأة أزمتي الطاقة وسوق العمل الأمريكي. انخفض مؤشر S&P 500 بنحو ٢٪، بينما تراجع مؤشر DAX الألماني بنسبة ٦٫٧٪، وFTSE 100 البريطاني بنسبة ٥٫٧٪، وNIKKEI الياباني بنسبة ٥٫٥٪. تعكس هذه الفجوة بين الأداء الأمريكي والعالمي اعتماد أوروبا وآسيا الأكبر على واردات الطاقة من منطقة الخليج.
الحدث الأبرز هذا الأسبوع كان في سوق السندات. في ظل الأزمات الجيوسياسية، يلجأ المستثمرون إلى السندات كملاذ آمن فتنخفض العوائد. لكن ما حدث هذا الأسبوع هو العكس تمامًا: ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بمقدار 17 نقطة أساس من ٣٫٩٥٪ إلى ٤٫١٣٪. وهو بالضبط ما حدّدناه في عدد النشرة السابق كإشارة إلى أن السوق يتوقع ركودًا تضخميًا (ارتفاعًا للتضخم في ظل ركود اقتصادي). في ظل هذه التوقعات، يرتفع العائد على السندات طويلة الأجل بسبب مخاوف التضخم، بينما يبقى العائد على أذون الخزانة قصيرة الأجل مستقرًا ترقبًا لخفض الفائدة المُحتمل لمواجهة الركود.
💡 توقعات خبراء أموال: نوصي بتجنب السندات طويلة الأجل في هذه البيئة. ونراقب حركة العوائد مع تطور الأزمة.
الذهب يستقر فوق ٥٫١٠٠ دولار ويستهدف ٦٫٥٠٠ دولار
قدّم الذهب أداءً متقلبًا هذا الأسبوع لكنه حافظ على مكانته كملاذ آمن. ارتفع يوم الاثنين إلى ٥٫٤١٩ دولارًا للأونصة قبل أن يتراجع بحدّة إلى ٤٫٩٩٥ دولار يوم الثلاثاء، ثم استقرّ بنهاية الأسبوع حول مستوى ٥٫١٧٠ دولار. يُمثّل مستوى ٤٫٩٩٥ دولارًا قاعًا مُحتملًا على المدى القصير. نراقب حركة السعر خلال الأسبوع المقبل للتأكد من مساره خلال شهر مارس.
الهدف الأبرز على المدى المتوسط هو مستوى ٦٫٥٠٠ دولارًا للأونصة. كنا قد توقعنا في الأعداد السابقة أن يصل السعر إلى هذا المستوى بحلول صيف ٢٠٢٦، لكن نظرًا لتسارع الديناميكيات الجيوسياسية، نتوقع وصول الذهب لهذا السعر بحلول مايو القادم.
مازالت العوامل الهيكلية التي تدفع الذهب للصعود تتعزز يومًا بعد يوم. نشهد اليوم إفراطًا ماليًا حكوميًا، وتفككًا جيوسياسيًا، وتآكلًا في مصداقية البنوك المركزية. ويبقى الذهب هو الأصل الوحيد الذي يستفيد من كل هذه العوامل مجتمعةً. إذا انتقلت العوائد الحقيقية إلى النطاق السلبي، وهو سيناريو مُحتمل مع ارتفاع التضخم وثبات معدلات الفائدة، فإن ارتفاع سعر الذهب قد يتسارع بشكل كبير.
💡 توقعات خبراء أموال: نحتفظ بتعرض كامل للذهب في محافظنا. نستهدف مستوى ٦٫٥٠٠ دولار للأونصة بحلول أبريل-مايو ٢٠٢٦. أي تراجع نحو مستوى ٤٫٩٠٠ دولار يُمثّل فرصة شراء ممتازة للمستثمرين طويلي الأجل.
بتكوين يستقر مؤقتًا
يتداول بتكوين حاليًا عند ٦٧٫٠٠٠ دولار، متراجعًا بنسبة ٣٥% عن قمته المُسجّلة في نوفمبر ٢٠٢٥. وتكشف بيانات شبكة بتكوين أن متوسط تكلفة المتداولين قصيري الأجل يقع عند ٨٦٫١٠٠ دولار، ومتوسط تكلفة مستثمري الصناديق المتداولة (ETFs) عند ٨٢,٦٠٠ دولار. ما يعني أن المستثمرين الجدد من الأفراد والمؤسسات يتكبدون خسائر كبيرة وعلى الأرجع سيستغلون أو ارتداد مؤقت للحد من الخسارة عن طريق التخارج التدريجي من السوق.
اللافت هذا الأسبوع هو عودة التدفقات الإيجابية إلى صناديق بتكوين الاستثمارية (ETFs) بقيمة نصف مليار دولار، وهو أول أسبوع إيجابي بعد موجة بيع تراكمية تخطت ٦ مليار دولار منذ نوڤمبر. لكن أسبوعًا إيجابيًا واحدًا لا يحل الأزمة، وتبقى البيئة الكلية الحالية معادية لأصول المخاطرة.
💡 توقعات خبراء أموال: نحافظ على موقفنا الحذر تجاه بتكوين. مستوى الدعم الرئيسي يقع عند ٥٤٫٥٠٠ دولار، ومستوى المقاومة الأول عند ٧٨٫٥٠٠ دولار (المتوسط الحقيقي للسوق). نوصي بعدم بناء مراكز جديدة حتى تظهر علامات استقرار واضحة وتعود التدفقات المؤسسية بشكل مستدام.
الخلاصة
يمرّ الاقتصاد العالمي بلحظة فارقة. صدمة أسعار النفط تتزامن مع تباطؤ كبير في سوق العمل الأمريكي لتُنتج بيئة ركود تضخمي كلاسيكية، وهي الأسوأ للمحافظ الاستثمارية التقليدية التي تستثمر في الأسهم والسندات لأن كلاهما يتضرران في آنٍ واحد. بالعودة إلى إطار السيناريوهات الخمسة التي طرحناها في العدد السابق، تتراجع احتمالية السيناريو الأول (استمرار القتال دون المزيد من التصعيد) والرابع (وقف إطلاق النار) بوضوح، بينما ترتفع احتمالية السيناريوهات الأسوأ، حرب الاستنزاف أو الحرب الإقليمية أو التصعيد الشامل. يتطلب المشهد الحالي التحلّي بالصبر والانضباط، والتركيز على حماية رأس المال أولًا.
نذكركم بالإشارات الأربع التي ستُحدد مسار الحرب والأسواق:
مدة القتال الفعلي: المتغير الأهم. إذا توقفت الأعمال العدائية خلال شهر مارس، يصمد نموذج يونيو ٢٠٢٥. إذا امتدت إلى خلال شهري أبريل ومايو، ندخل في نمط ٢٠٢٢. إذا امتدت إلى ما هو أبعد من صيف ٢٠٢٦، يتكرر نمط ١٩٧٣.
فعالية إغلاق مضيق هرمز: أُعلن الإغلاق رسميًا وتعطلت الملاحة بالفعل. السؤال الآن هو ما إذا كان الإغلاق سيُحقق تعطيلًا مستدامًا أم ستتمكن البحرية الأمريكية من تحييده خلال أيام.
الخسائر الأمريكية في القواعد الخليجية: إذا تصاعدت الخسائر البشرية لدى الجيش الأمريكي، يتصاعد الضغط السياسي الداخلي في واشنطن في اتجاه إيقاف الحرب.
اتجاه عائد سندات الخزانة يوم الاثنين: ارتفع عائد السندات طويل الأجل بالفعل، ما يعني أن السوق يُسعّر تضخمًا مستدامًا مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة.
يمكنكم مراجعة تقرير “دماءٌ وبراميل - Blood and Barrels” الذي أصدرناه الأسبوع الماضي، والذي يتضمن التحليل التاريخي الشامل لأزمات ١٩٧٣ و١٩٩٠ و٢٠٠٣ و٢٠٢٢ وحرب يونيو ٢٠٢٥، والإطار الاستراتيجي للمعضلات المتشابكة التي تُقيّد حرية الفعل لدى أطراف النزاع، ونموذج السيناريوهات الكمّي مع منهجية التحليل المتكاملة. التقرير متاح مجانًا من خلال الرابط التالي:
ترقّبوا عددنا الأسبوعي يوم الأحد المقبل لمواكبة أبرز المستجدات وتحليل انعكاساتها على مختلف الأصول الاستثمارية.




النهاردة صحيت الصبح مستني اشوف نشرة اموال
بقول هي مش ظهرت لية
اتمني ان الموضوع يتفعل بشكل تعليمي اكثر يكون عبارة عن منصة تناسب الهواه والمهتمين
بس علي الاقل نقدر نحكم ان اي ارقام اسمعها يعني تعتبر منطقية ولا لا
بس حقيقي كل اسبوع محتاج اجدد شكري علي النشرة دية والمجهود المبذول